أثارت القرارات الصادرة حديثًا بشأن زيادة رواتب موظفي بعض القطاعات في الدولة، حفيظة خبراء المال والاقتصاد، عادّين إياها سببًا رئيسًا لارتفاع معدل التضخم ولمزيدٍ من انهيار الدينار، مع تفاقم الأعباء المالية على الدولة بتضخم بند الرواتب على تضخمّه القائم.
وبدأت سلسلة الزيادات، بما كشفته مصادر صحفية بشأن زيادة رواتب موظفي ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية بنسب تصل إلى 180%، قبل إقرار زيادات أخرى لمنسوبي المؤسسة العسكرية بنسبة 150%؛ بناء على مقترح من نائب قائد القيادة العامة صدام حفتر، وسط أحاديث عن إجراءات مرتقبة مماثلة في شأن كوادر الشرطة.
تأتي هذه الزيادات وسط مطالبات تبنّتها حَراكات موظفي قطاعات مثل الصحة والتعليم، وموظفي العدل والقضاء وخصوصًا بعد إقرار زيادة لأعضاء الهيئات القضائية (رؤساء المحاكم والقضاة والمستشارون ووكلاء النيابة والمحامون).
وفي حديثه لـ «أبعاد»، شدّد العضو السابق بمجلس إدارة المصرف المركزي مراجع غيث، على أنّ الحل ليس في رفع الأجور وإنما في تغيير سعر الصرف، مبينًا أن الزيادة دون دراسة أو مراعاة للظروف الاقتصادية والاستدامة المالية للدولة، تُعدّ سببا لزيادة الأسعار وارتفاع معدل التضخم في بلد تغيب فيه الرقابة، حسب وصفه.
وانتقد «غيث» إقرار زيادات لجهات بعينها قادرة على الضغط على الحكومة، لافتًا إلى أن ذلك سيؤدي إلى تفاوت طبقي واجتماعي وتمييز بين الموظفين العامّين، وانسياب عدد كبير من الموظفين إلى جهات مثل هيئتي الرقابة الإدارية ومكافحة الفساد، وديوان المحاسبة.
بدوره، يرى المحلل الاقتصادي أبو بكر الطور، في تصريح لـ«أبعاد»، أنّ للزيادات العشوائية للرواتب عواقب مباشرة على الميزانية العامة تُفاقم هيمنة الباب الأول المتعلق بالرواتب على النسبة الأكبر من الإيرادات المتاحة، ما يحول الميزانية العامة إلى مجرد ميزانية تسييرية-استهلاكية تفتقر لأي بعد تنموي.
وأبدى «الطور» مخاوفه من خطورة الزيادات كونها التزاما ماليا ثابتا ومرتفعا لا يمكن التراجع عنه مستقبلًا، بخلاف النفقات التنموية التي يمكن تقليصها عند أول انخفاض لأسعار النفط أو تراجع في معدلات الإنتاج، مُرجّحًا أن تلجأ الدولة، عند عجزها عن تغطية فاتورة الرواتب إلى سحب الاحتياطيات في حال حدوث أي صدمة بأسعار النفط أو تعطل بالصادرات.
وتوقع أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي علي الشريف، أن تؤدي الزيادات غير المدروسة للرواتب دون تنمية للإيرادات، إلى تفاقم عجز الموازنة والضغوط على العملة، بما يقود إلى خفض سعر الصرف للمرة الرابعة على التوالي، مؤكدا أن معالجة تدني القوة الشرائية يبدأ من سنّ سياسة إصلاحية متكاملة تحمي دخل المواطن وتحافظ على الاستقرار النقدي والمالي في الوقت نفسه.





مناقشة حول هذا post