يعيش الليبيون على وقع أزمات متتالية، بلغت أشُدّها خلال الذروة الصيفية الحالية، وخصوصًا مع انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، ما دفع بعضهم لتنظيم وقفات احتجاجية في مدن ومناطق متفرقة، وبعضهم الآخر لغلق الطرق وإشعال الإطارات واقتحام محطات التوليد والتوزيع.
انقطاع التيار وسط درجات حرارة لامست الـ50 درجة مئوية لم تكن الأزمة وحدها، فقد صاحب ذلك مشهد مكرر من ازدحامات الوقود قالت عنه شركة البريقة إنه «غير مُبرَّر»، بالتوازي مع نقص ملحوظ في إمدادات الديزل ما أثر في عمل المرافق الحيوية مثل المستشفيات التي حذر بعضها من توقف العمل، وصولًا إلى المخابز التي رفع بعضها أسعار الخبز.
مناطق واسعة وخصوصًا في العاصمة طرابلس، شهدت أيضًا شُحًّا في مياه النهر الصناعي التي يُعتمد عليها بنسبة تفوق 90 في المئة، بسبب إظلامات أدت إلى توقف آبار منظومة الحساونة-سهل الجفارة وحقولها، يأتي ذلك تزامنًا مع نقصٍ غير مسبوق في قنائن مياه الشرب المُحلّاة -سيّما المدة الماضية-، علاوةً على ارتفاع سعر بعض العلامات التجارية.
غلاء الأسعار سبق هذه الأزمات القديمة الجديدة، فقد رافق الليبيين منذ سنوات لأسباب يُرجعها الاقتصاديون إلى تفاقم الإنفاق الحكومي المُنفلت، وما جّره ذلك من ارتفاع في معدل التضخم، ومزيدٍ من الانهيار في الدينار نتيجة الطلب المتزايد على شراء العملة الصعبة من السوق الموازية، وآثار أخرى.
وبلغة الأرقام، تتفق -ضمنيًّا- مؤسسات مالية ورقابية دولية ومحلية، مع محليل اقتصاديين محليين، على دقّ ناقوس الخطر من نهاية السبيل الذي يسير فيه الاقتصاد الوطني، وبخاصةٍ مع وصول حجم الإنفاق الحكومي منذ 2011 إلى 1.1 تريليون دولار، وتسجيل دَينٍ عام بقرابة 303 مليارات دولار، والنتيجة: فقد 14.7 في المئة من قيمة الدينار، وارتفاع معدل التضخم بنسبة 8.6 في المئة خلال الربع الأول من 2026 فقط، وعجز دولاري بقيمة 20 مليار دولار خلال الأربع سنوات الأخيرة وحدها.
تأتي التحذيرات الاقتصادية والأوضاع المعيشية المتردّية وسط حالة وُصفت بالصادمة بشأن قطاع النفط والغاز بوصفه الرافد شبه الوحيد للاقتصاد الوطني؛ مدفوعةً بتدنٍّ متكرّر في الإيرادات السيادية، على حساب قفزات متتالية في فاتورة توريد المحروقات، وتقارير تُفيدُ باستمرار شركات خاصة مثل «أركنو» في التصدير غير المشروع للمنتجات النفطية ومشتقاتها، بعيدًا عن عين الدولة.




مناقشة حول هذا post