يشهد العالم توتراً متصاعداً في أسواق الطاقة، مع تعطل إمدادات حيوية نتيجة الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط. هذا الوضع أعاد طرح تساؤلات ملحّة حول البدائل الممكنة لتعويض النقص، خاصة بالنسبة لأوروبا التي تبحث عن مصادر قريبة وآمنة. في هذا السياق، تتجه الأنظار نحو ليبيا، الدولة التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا وتطل على البحر الأبيض المتوسط، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً يؤهلها نظرياً للعب دور محوري في استقرار الأسواق.
من حيث المبدأ، تؤهّل الجغرافيا والثروات النفطية ليبيا للعب هذا الدور، إذ تمتلك نحو 48 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة. لكن المسألة لا تتعلق بالجغرافيا وحدها، بل ترتبط بجملة من العوامل التقنية والسياسية التي تطرح تساؤلات جدية حول قدرة البلاد على التحرك بسرعة.
يؤكد بلقاسم خليفة حفتر، رئيس صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، أن بلاده مؤهلة وقادرة على “الإنجاز السريع”، مستشهداً بنموذج مدينة درنة التي استعادت عافيتها خلال عامين فقط بعد كارثة إعصار “دانيال” في سبتمبر 2023، والتي خلّفت دماراً واسعاً في البنية التحتية.
في المقابل، يبرز التحدي الفني كأحد أبرز العقبات أمام زيادة الإنتاج، الذي بلغ نحو 1.4 مليون برميل يومياً في أبريل 2026. ويوضح حافظ الغويل، مدير برنامج شمال أفريقيا في مركز ستيمسون، أن العديد من الآبار النفطية انتهى عمرها الافتراضي أو أُهملت منذ عقود، ما يتطلب عمليات إعادة تأهيل واسعة.
ويشير الغويل إلى أن ليبيا غير قادرة حالياً، وبالسرعة المطلوبة، على تعويض نفط الخليج، ما لم تشهد تدفقاً كبيراً للتكنولوجيا الحديثة لإعادة إحياء الحقول المتقادمة واستغلال الموارد غير التقليدية مثل النفط الصخري.
ولا تقتصر التحديات على الجانب التقني، إذ تعاني البلاد من انقسام سياسي وأوضاع أمنية معقدة، إلى جانب انتشار الفساد. وتعتبر سابينا هينبيرغ، كبيرة الباحثين في معهد واشنطن، أن الفساد في ليبيا متجذر بعمق، ويؤثر بشكل مباشر على قطاع النفط عبر حرمانه من التمويل اللازم للصيانة والتطوير.
كما تلفت إلى أن المستثمرين الدوليين يتعاملون بحذر مع الانقسام الإداري بين حكومتي الشرق والغرب، إضافة إلى انتشار شبكات التهريب التي تمثل مصدر تمويل للجماعات المسلحة. ورغم بقاء المؤسسة الوطنية للنفط ككيان موحد ظاهرياً، فإن هذا التوازن، بحسب هينبيرغ، يظل هشاً في ظل الفساد البنيوي، حيث لا تُحتسب أجزاء من العائدات بشكل كامل ضمن سجلات المصرف المركزي.
في المقابل، يراهن حفتر على تحييد قطاع النفط عن الصراع السياسي، معتبراً أن المؤسسة الوطنية للنفط تلعب دوراً محورياً في الحفاظ على الإنتاج والمبيعات، في ظل ما وصفه بإجماع داخلي على حماية القطاعين الأمني والنفطي.
وعلى الصعيد الدولي، يعكس قرار مجلس الأمن رقم 2819، الذي يفرض رقابة مشددة على صادرات النفط الليبي حتى أغسطس 2027، حجم القلق من التهريب والفساد، ومحاولة ضمان إدارة شفافة للثروات النفطية.
كما تشهد الساحة تحركات دولية لدعم الاستقرار في ليبيا، من بينها اتصالات أميركية لتعزيز انخراط الشركات الأجنبية وضمان استدامة الميزانية الموحدة، التي يُنظر إليها كعامل أساسي لتحقيق الاستقرار المالي.
في المحصلة، تبدو ليبيا مرشحة نظرياً للعب دور مهم في دعم أمن الطاقة العالمي، خاصة في ظل الطلب الأوروبي المتزايد على بدائل موثوقة. غير أن الواقع التقني والسياسي يفرض قيوداً كبيرة، ما يجعل هذا الدور مرهوناً بإصلاحات عميقة واستثمارات كبيرة، إضافة إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقرار الداخلي.




مناقشة حول هذا post