تقدم في الحوار المهيكل وانتخابات البلديات
قال المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه في إحاطة أمام مجلس الأمن، الأربعاء، إنه منذ الإحاطة الأخيرة بشأن خارطة الطريق للعملية السياسية، عُقدت في طرابلس جولتان من المداولات لكل مسار من مسارات الحوار المهيكل، وهي الاقتصاد والحوكمة والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، وقد برز عبر هذه المسارات شعور ملحّ بضرورة حل الانسداد السياسي وإجراء إصلاحات في الحكم والاقتصاد.
وأفادت تيتيه بأن مساري الحوكمة والأمن ركزا على تهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات وطنية، فيما شدد المسار الاقتصادي على معالجة الإسراف في الإنفاق والبحث في خيارات زيادة إيرادات الدولة عبر التنوع الاقتصادي وتعزيز إدارة المالية العامة، ودعا مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان إلى تحييد القضاء عن التجاذبات السياسية حفاظاً على وحدته واستقلاليته. كما أثبت تجمع النساء فاعليته كآلية لتعزيز المشاركة الحقيقية للنساء في الحوار.
ويسّرت البعثة اجتماعات مشتركة بين مساري الحوكمة والاقتصاد ومجموعات العمل المنبثقة عن مسار برلين، لتمكين الليبيين من التعبير مباشرة عن أولوياتهم وتبادل الرؤى بشأن الدعم الدولي اللازم لتعزيز الحوكمة.
وفي السياق ذاته، أُنجزت انتخابات المجالس البلدية في ثلاث بلديات بالمنطقة الغربية في فبراير، وخلال الأشهر الأربعة عشر الماضية، أُجريت انتخابات في 119 بلدية، في خطوة مهمة نحو ترسيخ حوكمة محلية مسؤولة، مع الإعلان عن انتخاب ثاني امرأة في تاريخ ليبيا لمنصب عميد بلدية.
تعثر تنفيذ خارطة الطريق وتصاعد الإجراءات الأحادية
وأضافت المبعوثة الأممية أنه لم يُحرز تقدم حقيقي بين مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة في تنفيذ الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق، رغم جهود البعثة.
وكان المجلسان قد توافقا على آلية لاختيار مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلا أن الاتفاق لم يُنفذ، وتلت ذلك إجراءات أحادية من الطرفين زادت تعقيد المشهد وهددت وحدة المفوضية، كما لا يزال تعديل الإطار الانتخابي والقانوني معطلاً.
وفي ظل هذا الانسداد، طُرحت مقاربة بديلة تقوم على تشكيل مجموعة مصغرة لإنجاز المهمتين الأساسيتين، على أن يتم توسيع الدائرة إذا تعذر التوصل إلى اتفاق، ورغم التقدير السابق بإمكانية إنجاز المهمتين خلال شهرين مع توافر الإرادة السياسية، فإن مرور ستة أشهر دون تقدم يعكس عمق الأزمة.
انقسام قضائي يهدد وحدة الدولة
ولفتت هانا تيتيه إلى أن النظام القضائي الليبي يعرف انقساماً متزايداً، ينذر بتداعيات خطيرة على وحدة البلاد، ففي عام 2023، أنشأ مجلس النواب محكمة دستورية عليا في بنغازي، بدأت عملها في ديسمبر 2025، بالتوازي مع الدائرة الدستورية للمحكمة العليا في طرابلس.
وأدى ذلك إلى صدور أحكام متضاربة بين الجهتين، بما في ذلك إبطال حكم صادر عام 2014 عن الدائرة الدستورية في طرابلس، وإصدار قرارات متناقضة بشأن القانون رقم (1) لسنة 2020 وتنظيم السلطة القضائية، كما أصدر المجلس الرئاسي قراراً بنقل الجريدة الرسمية إلى وزارة العدل التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، استناداً إلى حكم قضائي سابق، ما زاد من تعقيد المشهد.
وأكدت أن استمرار القرارات المتوازية والمتعارضة يهدد وحدة النظامين القانوني والقضائي ويضعف إقامة العدل، مع انعكاسات مباشرة على العملية السياسية.
تراجع اقتصادي وضغوط اجتماعية متفاقمة
وأشارت هنا تيتيه إلى أن المسار الاقتصادي يتدهور وسط انخفاض قيمة الدينار وارتفاع الأسعار ونقص الوقود، ففي 18 يناير، خفّض مصرف ليبيا المركزي قيمة الدينار بنسبة تقارب 14.7% للمرة الثانية خلال تسعة أشهر، في محاولة لتخفيف ضغوط العملات الأجنبية، إلا أن ذلك انعكس سلباً على القدرة الشرائية للأسر.
ويؤكد غياب ميزانية وطنية موحدة، وتضارب الإنفاق العام، وانخفاض عائدات النفط، استمرار الاختلالات المالية، ووفق تقديرات رسمية، يعيش نحو 30% من الليبيين تحت خط الفقر، مع ارتفاع سعر سلة الغذاء الدنيا بنسبة 24% بين أوائل 2024 ومنتصف 2025.
ورغم توقيع اتفاقيات جديدة في قطاع الطاقة ومنح تراخيص لخمس مناطق نفطية، فإن هذه الخطوات لن تُحدث أثراً فورياً على الإيرادات خلال السنة المالية الحالية.
كما كشفت تحقيقات مكتب النائب العام أن آلية “الوقود مقابل النفط الخام” كانت تستنزف الميزانية بنحو 1.5 مليار دولار سنوياً مقارنة بأسعار السوق العالمية، ويذهب نحو 80% من الإنفاق العام حالياً إلى الرواتب والدعم، ما يحد من فرص الاستثمار في التنمية.
تصاعد الجريمة المنظمة والانتهاكات
وقالت المبعوثة الأممية، إن الشبكات الإجرامية العابرة للحدود ازدهرت في ظل تشظي مؤسسات الأمن وضعف الرقابة، وأظهر تقرير صادر في يناير عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تحوّل ليبيا إلى مركز عبور رئيسي لتهريب المخدرات، مع ارتباط ذلك بالاتجار بالأسلحة والبشر.
كما سلط تقرير مشترك صدر في فبراير عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الضوء على انتهاكات بحق مهاجرين وطالبي لجوء، بينها اكتشاف مقبرة جماعية في أجدابيا والإفراج عن مئات المحتجزين الذين ظهرت عليهم آثار تعذيب.
الحاجة إلى تحرك عاجل ودعم دولي
ووفق المبعوثة الأممية، تشير مجمل التطورات السياسية والقضائية والاقتصادية والأمنية إلى وضع مقلق قد يفضي إلى تحديات غير متوقعة تمس وحدة الدولة وسلامة أراضيها، ويظل الانقسام الحكومي، وغياب التنسيق، والإجراءات الأحادية، والإنفاق غير المنضبط، من أبرز أسباب الخلل القائم.
وأكدت أن السبيل الوحيد للمضي قدماً يكمن في التوصل إلى حل سياسي يجمع شمل الليبيين، مع تكامل الجهود الدولية ودعم مجلس الأمن للدفع بخارطة الطريق قدماً، بما يضع حداً للجمود ويعيد الاستقرار إلى ليبيا والمنطقة.




مناقشة حول هذا post