تحولات أمنية تعيد تشكيل موازين النفوذ
كشف تقرير تحليلي صادر عن المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية أن النصف الأول من مارس 2026 شهد تحولات عميقة في المشهد الليبي، مع انتقال الصراع من الانقسام السياسي التقليدي إلى صراع نفوذ قائم على الولاءات العائلية والمصالح الضيقة للمجموعات المسلحة.
وأوضح التقرير أن شرق البلاد وجنوبها يشهدان إحكامًا متزايدًا للقبضة الأمنية من قبل “القيادة العامة”، مقابل تراجع مشروع الدولة المدنية في الغرب لصالح شبكات نفوذ مسلحة، ما أسهم في تكريس سلطة هجينة تتحكم فيها التوازنات بين العائلات النافذة والتشكيلات المسلحة.
الجنوب الليبي.. بؤرة توتر إقليمي
وسلط التقرير الضوء على استمرار هشاشة الوضع الأمني في الجنوب، بعد مقتل أربعة عناصر من اللواء 604 مشاة إثر انفجار لغم أرضي خلال مهمة عسكرية لملاحقة مجموعات مسلحة. كما أشار إلى تصاعد التوترات في المنطقة الحدودية بين ليبيا والسودان ومصر، وسط اشتباكات مع مجموعات مسلحة تنشط قرب طرق التهريب والمناطق الصحراوية المفتوحة.
وأكد التقرير أن الجنوب الليبي تحول إلى ساحة تنافس إقليمي تتداخل فيها حسابات الأمن والتهريب والصراعات العابرة للحدود، في ظل استمرار خطر الألغام ومخلفات الحرب.
ضغوط دولية لإعادة ترتيب السلطة
سياسيًا، تحدث التقرير عن حراك أممي مكثف تقوده البعثة الأممية بهدف كسر الجمود السياسي، عبر مسارات حوار تتعلق بالانتخابات وتوحيد المؤسسات السيادية ضمن خارطة طريق تمتد من 12 إلى 18 شهرًا.
وأشار إلى أن “اجتماع واشنطن” خلال فبراير ومطلع مارس عكس توجهًا دوليًا، مدعومًا بضغوط أمريكية، نحو الدفع باتجاه صيغة تجمع السلطتين القائمتين في الشرق والغرب بعيدًا عن الانتخابات في المدى القريب، مع التركيز على الدمج الاقتصادي والعسكري.
كما حذر التقرير من أن هذا المسار قد يؤدي إلى “شرعنة تقاسم النفوذ بين العائلتين” وتحويله إلى واقع دائم يعرقل بناء دولة ديمقراطية.
اقتصاد قوي بالأرقام.. ومنهك في الواقع
اقتصاديًا، وصف التقرير الحالة الليبية بأنها “مفارقة بين الوفرة النفطية والفقر النقدي”، إذ سجلت ليبيا خلال فبراير 2026 إنتاجًا نفطيًا تجاوز 36 مليون برميل بإيرادات بلغت نحو 1.81 مليار دولار، فيما بلغ متوسط التصدير اليومي حوالي 1.26 مليون برميل.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، أشار التقرير إلى وجود فجوة مالية بين بيانات المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي تُقدّر بنحو 140 مليون دولار، مرجعًا ذلك إلى عمليات “مبادلة النفط بالمحروقات” خارج سجلات الميزانية الرسمية.
أزمة السيولة وتراجع الدينار
وفي الجانب النقدي، أشار التقرير إلى أن قرار مصرف ليبيا المركزي تخفيض قيمة الدينار بنسبة 14.7% مطلع 2026 لم ينجح في احتواء أزمة النقد الأجنبي، حيث تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية 10.50 دينار، ما تسبب في موجة تضخم واسعة طالت السلع الأساسية.
وأكد التقرير أن أزمة السيولة لا تزال تمثل الهاجس الأكبر للمواطنين، في ظل استمرار طوابير المصارف وضعف الثقة في المنظومة المصرفية، إضافة إلى تنامي الاقتصاد الموازي وتهريب العملة وتأخر صرف المرتبات.
حرب الخليج الثالثة تمنح ليبيا فرصة استراتيجية
وربط التقرير بين التطورات الليبية واندلاع “حرب الخليج الثالثة” أواخر فبراير 2026، عقب هجمات أمريكية إسرائيلية على منشآت إيرانية، وما تبعها من اضطرابات في أسواق الطاقة وإغلاق شبه كامل لمضيق هرمز.
وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 120 دولارًا للبرميل منح ليبيا فرصة استراتيجية للتحول إلى مصدر رئيسي للطاقة نحو أوروبا، بفضل موقعها الجغرافي وجودة خامها الخفيف وسهولة نقله عبر المتوسط.
لكن التقرير حذر في المقابل من أن هذا الظرف قد يزيد من حجم التدخلات الإقليمية والدولية في الملف الليبي، مع تصاعد الاهتمام العالمي بضمان استمرار تدفق النفط الليبي.
دعوات لتوحيد المؤسسات واستثمار الطفرة النفطية
وفي ختام تقريره، دعا المركز إلى استثمار المتغيرات الدولية لتعزيز “دبلوماسية الطاقة”، وتوحيد الميزانية العامة، وإنشاء صندوق استقرار وطني لتوجيه فائض العائدات النفطية نحو مشاريع الإعمار والبنية التحتية.
كما أوصى بدعم المسار الأممي، وتشكيل حكومة تكنوقراط موحدة تقود البلاد نحو الانتخابات، إلى جانب إنشاء فريق وطني للاستشراف الاستراتيجي لمتابعة التحولات الإقليمية والدولية والتعامل معها بشكل استباقي.





مناقشة حول هذا post