تنافس ناعم بين مسارين دوليين في إدارة الملف الليبي
تشهد ليبيا تداخلاً متزايداً بين مقاربتين دوليتين لإدارة الملفين الأمني والعسكري، الأولى تقودها البعثة الأممية في إطار خريطة طريق شاملة، والثانية تعتمد على مقاربة أميركية يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، وتركّز على بناء تقارب نسبي بين سلطتي طرابلس وبنغازي.
وبينما تبدو الجهود متقاربة في الهدف العام المتمثل في تحقيق الاستقرار، فإن الاختلاف في الآليات يفتح مساحة من التنافس غير المعلن حول إدارة المسار الأمني والعسكري في البلاد.
مقاربة بولس: تقارب تدريجي بين الشرق والغرب
تعتمد المقاربة الأميركية على دفع سلطتي طرابلس وبنغازي نحو خطوات عملية مشتركة، تُترجم في لقاءات سياسية وعسكرية، أبرزها الاجتماعات “المصغرة” في روما وتونس، إضافة إلى التعاون العسكري المتصاعد بين الطرفين.
ومن أبرز نتائج هذه المقاربة:
التمرين العسكري المشترك في مدينة سرت تحت اسم “فلينتلوك 2026”
الاتفاق على “الميزانية الموحدة”
تعزيز قنوات التنسيق بين القيادات العسكرية في الشرق والغرب
وترى هذه المقاربة أن بناء الثقة التدريجي هو المدخل الأساسي لتوحيد المؤسسات الليبية.
البعثة الأممية: إطار أوسع وتعدد في الأطراف
في المقابل، تعمل البعثة الأممية على إدماج مختلف الفاعلين الليبيين ضمن مسارات مؤسسية أوسع، بدل الاقتصار على طرفي الشرق والغرب.
ويظهر ذلك من خلال:
“الحوار المهيكل” الذي يشمل 120 شخصية ليبية
إدراج مسارات الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة
إنشاء “فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود”
وترى البعثة أن توسيع المشاركة وتعدد الأطراف يضمن استدامة أي اتفاقات مستقبلية ويمنع احتكار القرار.
اجتماع سرت: نقطة التقاء أم ساحة تنافس؟
شهدت مدينة سرت اجتماعاً أمنياً ضم ضباطاً من شرق ليبيا وغربها، ناقش ملف أمن الحدود، واتفق على خطوات لتعزيز التنسيق وتفعيل مراكز مشتركة.
ورغم الترحيب الدولي بهذا الاجتماع، ظهر اختلاف في تفسير خلفياته:
البعثة الأممية اعتبرته ثمرة لآلية فنية أُنشئت منذ 2025
بينما رأت المقاربة الأميركية أنه امتداد لنجاح التمرينات العسكرية والتقارب السياسي.
قراءة في التباين بين المقاربتين
يرى مراقبون أن المقاربة الأميركية تميل إلى “الاختراق العملي السريع” عبر خطوات ميدانية مباشرة بين الشرق والغرب، في حين تعتمد البعثة الأممية على “هندسة سياسية أوسع” تشمل أطرافاً متعددة لضمان التوازن.
ويعتبر خبراء أن:
واشنطن تركز على النتائج العملية قصيرة المدى
الأمم المتحدة تركز على بناء مسار مؤسسي طويل الأمد
ملف أمن الحدود يمثل نقطة تقاطع بين المسارين
مساران نحو هدف واحد بطرق مختلفة
يخلص التقرير إلى أن المسارين الأميركي والأممي، رغم اختلاف الأدوات، يلتقيان في هدف واحد هو دفع ليبيا نحو الاستقرار وتوحيد المؤسسات، لكن التباين بين “النهج العملي السريع” و“النهج المؤسسي الشامل” قد يحدد شكل المرحلة المقبلة من العملية السياسية والأمنية في البلاد.




مناقشة حول هذا post