اكتسب استقرار ليبيا أهمية استراتيجية متجددة، لا سيما مع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، التي تتردد أصداؤها في أسواق الطاقة العالمية، إذ دفعت أسعار خام برنت إلى أعلى مستوى لها في ثلاث سنوات بحلول منتصف مارس/آذار. وفي هذا السياق، زادت اضطرابات الشحن وارتفاع علاوات المخاطر، إلى جانب محدودية الطاقة الإنتاجية الفائضة، من التركيز على كل برميل إضافي من النفط.
وعليه، يكتسب إنتاج النفط الليبي، المستقر حاليًا بموجب ترتيبات غير رسمية لكنها هشة هيكليًا، أهمية بالغة. إذ يعتمد الحفاظ على هذا الإنتاج، بل وزيادته، على وجود نظام حكم قادر على إبقاء الموانئ مفتوحة، وخطوط الأنابيب تعمل، مع ضمان توزيع العائدات دون إثارة نزاعات.
ومع ذلك، تتعرض هذه الترتيبات لضغوط متزايدة في ظل تدهور الوضع الاقتصادي، حيث تتراوح مستويات الإنتاج بين 1.2 و1.3 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب 1% من الإمدادات العالمية. في المقابل، تؤثر أزمة السيولة بالدينار الليبي، ومحدودية الوصول إلى العملات الأجنبية، إضافة إلى القيود الدورية على الوقود، بشكل متزايد على الحياة اليومية للمواطنين.
وفي الوقت ذاته، يستمر الدينار الليبي في التراجع مقابل العملات الصعبة، الضرورية لاستيراد الغذاء والوقود المكرر. فمنذ مطلع عام 2025، ارتفع سعر الصرف الرسمي من نحو 5.6 دينار للدولار إلى ما يقارب 6.3-6.4 دينار، بينما بلغ في السوق الموازية أحيانًا 9 إلى 10 دنانير، وهو ما يضاعف الضغوط على المستهلكين.
ولا يقتصر الفارق بين السعرين الرسمي والموازي على كونه تشوهًا نقديًا، بل يمثل أيضًا آلية تستغلها بعض النخب للتلاعب بالموارد، وتحقيق أرباح من المراجحة، والتنافس على النفوذ السياسي. ونتيجة لذلك، تتجلى هذه الديناميكيات في تصاعد التوتر بين الجهات الأمنية المختلفة، رغم عدم اندلاع صراع واسع حتى الآن.
من جهة أخرى، تبرز تساؤلات جدية حول استمرارية القيادة السياسية، في ظل التحديات الصحية التي يواجهها كل من رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، والقائد العسكري في شرق البلاد خليفة حفتر، البالغ من العمر 82 عامًا. ورغم إمكانية استمرار الرجلين في مناصبهما مؤقتًا، فإن أي غموض بشأن قدرتهما على الحكم قد يفتح الباب أمام أزمة خلافة معقدة.
وفي هذا الإطار، يظل السؤال الأهم ليس فقط من سيخلفهما، بل كيف سيتم انتقال السلطة في ظل غياب تسلسل دستوري واضح. إذ إن الواقع السياسي الليبي يتشكل من خلال موازين قوى فعلية، تتجاوز الأطر المؤسسية الرسمية، سواء في الشرق حيث يبرز نفوذ عائلة حفتر، أو في الغرب حيث يعتمد الحكم على دائرة ضيقة مرتبطة بعائلة الدبيبة.
وتُظهر التجارب السابقة أن النزاعات حول الشرعية التنفيذية غالبًا ما تؤدي إلى اضطرابات في إنتاج النفط، وتفكك المؤسسات المالية، بل واندلاع صراعات مسلحة. وعلى الرغم من استقرار الإنتاج نسبيًا في السنوات الأخيرة، فإنه لا يزال عرضة للانقطاع، كما حدث في الهجوم الأخير على حقل الشرارة.
اقتصاديًا، تشير التحليلات إلى أن أي انقطاع كبير في الإمدادات قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار، خاصة في ظل الظروف الحالية التي تشمل اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر. وبالتالي، فإن فقدان الإنتاج الليبي قد يفاقم التقلبات في الأسواق العالمية.
قانونيًا، ينص الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015 على آلية لملء شغور منصب رئيس الوزراء، إلا أن هذه الآلية تفتقر إلى وضوح التنفيذ، ما يجعلها عرضة للتفسيرات المتباينة. وفي حال اتخاذ خطوات أحادية، خاصة من قبل مجلس النواب، فإن ذلك قد يؤدي إلى ظهور حكومات موازية، ويعيد البلاد إلى حالة الانقسام.
في المقابل، تتواصل الجهود الدولية، بقيادة الأمم المتحدة، لإيجاد مسار سياسي موحد، سواء عبر الدفع نحو الانتخابات أو من خلال مقترحات لتقاسم السلطة التنفيذية. غير أن نجاح هذه المبادرات يظل مرهونًا بمدى توافقها مع الإطار القانوني والمؤسساتي الليبي.
وفي ضوء ذلك، تبرز الحاجة إلى عملية انتقال منظمة، تقوم على تحديد واضح لحالة الشغور، وتفعيل حكومة تصريف أعمال بصلاحيات محدودة، إلى جانب إطلاق آلية تشاورية مشتركة لاختيار قيادة جديدة ضمن إطار زمني محدد. كما يتطلب الأمر دعمًا دوليًا منسقًا لضمان تنفيذ هذه العملية.
ختامًا، لا تواجه ليبيا أزمة خلافة فورية، لكنها تقف أمام احتمال حقيقي في ظل تداخل الضغوط السياسية والاقتصادية والجيوسياسية. وبينما يوفر الاتفاق السياسي أساسًا قانونيًا، فإن تحقيق انتقال مستقر للسلطة يتطلب إعدادًا مسبقًا وإرادة سياسية، بما يضمن تجنب الفوضى والحفاظ على استقرار البلاد.
المبعوث الأمريكي السابق إلى ليبيا، جوناثان وينر





مناقشة حول هذا post