طوال السنوات الماضية، حرص رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة على تقديم نفسه بوصفه المدافع الأول عن خيار الانتخابات، وكرر في مناسبات عدة رفضه لأي مرحلة انتقالية جديدة أو أي صفقات سياسية تعيد توزيع السلطة بعيدًا عن صناديق الاقتراع. بل إن خطابه أمام أنصاره وأنصاره السياسيين كان قائمًا على فكرة أنّ أي حديث عن تفاهمات أو تسويات ما هو إلا شائعات ومحاولات للتشويش.
إلا أن المشهد بدأ يتغير مع بروز مبادرة يقودها المستشار الأمريكي مسعد بولس، والتي حظيت بترحيب معلن من القيادة العامة، كما لاقت إشارات إيجابية متبادلة بين أطرافها، ما جعلها تنتقل من دائرة التسريبات إلى واجهة النقاش السياسي بشكل واضح.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كان الدبيبة يرفض المراحل الانتقالية والصفقات السياسية من حيث المبدأ، فكيف يمكن تفسير الانخراط أو التعاطي مع مبادرة تقوم في جوهرها على تفاهمات سياسية وإعادة ترتيب للمشهد قبل الوصول إلى الانتخابات؟ وإذا كانت الانتخابات هي الحل الوحيد كما كان يردد، فما الحاجة إلى مسارات تفاوضية جديدة قد تؤدي إلى إعادة تشكيل السلطة أو توزيع الأدوار بين القوى الفاعلة؟
خطاب سابق يصطدم بالواقع
المفارقة أن الدبيبة ظل، وفق ما نُقل عنه في لقاءات وتصريحات مختلفة، يُقلل من شأن الحديث عن مبادرة بولس، ويحتسب أن ما يُثار حولها مجرد ضجيج لا يستند إلى حقائق. لكن مع تحول المبادرة إلى ملف سياسي معلن وتبادل الرسائل الإيجابية بشأنها، أصبح من الصعب الاستمرار في نفي وجود مسار تفاوضي يجري خلف الكواليس.
وهذا يضع الخطاب السابق أمام اختبار حقيقي، لأن الرأي العام سيقارن بين ما قيل سابقًا وما يجري اليوم على أرض الواقع، خاصة إذا انتهت هذه التفاهمات إلى ترتيبات انتقالية أو إعادة توزيع للمناصب السيادية والتنفيذية.
أزمة التمثيل في الغرب الليبي
بعيدًا عن الجدل المرتبط بالدبيبة، تواجه أي مبادرة سياسية معضلة أكثر تعقيدًا تتمثل في كيفية تمثيل المنطقة الغربية. فبينما يبدو المشهد في الشرق أكثر تماسكًا بوجود قيادة سياسية وعسكرية واضحة المعالم، فإن الغرب الليبي يتسم بتعدد مراكز القوة وتباين مصالحها.
ففي طرابلس وحدها توجد قوى أمنية وعسكرية ذات نفوذ، من بينها جهاز الردع، إلى جانب قوى أخرى في الزاوية ومناطق من الجبل الغربي، فضلًا عن شخصيات وتيارات سياسية لا تتبنى بالضرورة المواقف نفسها أو تدور في فلك حكومة الوحدة الوطنية.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز تساؤل عملي: إذا كانت أي مبادرة تحتاج إلى شريك يمثل الغرب الليبي، فمن يملك فعلًا القدرة على التحدث باسم هذا الطيف الواسع من القوى؟ وهل يكفي تمثيل الحكومة وحدها لضمان تنفيذ أي اتفاق على الأرض، أم أن نجاح أي تسوية سيظل مرهونًا بتوافق أوسع يشمل الفاعلين السياسيين والعسكريين المؤثرين؟
انقسامات داخل المعسكر نفسه
كما أن النقاش لا يقتصر على العلاقة بين الشرق والغرب، بل يمتد إلى طبيعة الاصطفافات داخل المعسكر الغربي نفسه، حيث برزت في فترات مختلفة تكهنات وأحاديث إعلامية حول أسماء وأدوار محتملة في أي ترتيبات سياسية جديدة، قبل أن تتغير الموازين أو تتراجع تلك الترجيحات مع تطور الأحداث.
وهذا يعكس أن المشهد في الغرب لا تحكمه معادلة واحدة أو مرجعية موحدة، بل شبكة معقدة من التحالفات والخلافات، ما يجعل أي محاولة لبناء اتفاق سياسي شامل أكثر صعوبة مقارنة بما قد يبدو عليه الوضع في مناطق أخرى.
أسئلة ما تزال بلا إجابة
في النهاية، لا تكمن القضية في وجود مبادرة سياسية من عدمه، بل في مدى اتساق المواقف المعلنة مع الممارسات الفعلية. فإذا كانت التفاهمات السياسية أصبحت جزءًا من الطريق إلى المرحلة المقبلة، فإن الخطاب الذي قام على رفض المراحل الانتقالية ورفض الصفقات السياسية سيواجه حتمًا أسئلة مشروعة حول مدى انسجامه مع الواقع.
ويبقى التحدي الأكبر أمام أي مبادرة هو قدرتها على تحقيق توافق حقيقي بين مراكز النفوذ المختلفة، لا الاكتفاء بتفاهمات بين عدد محدود من الأطراف، لأن أي اتفاق لا يحظى بقبول واسع داخل المشهد الليبي قد يواجه صعوبات كبيرة عند الانتقال من مرحلة التوقيع إلى مرحلة التنفيذ.




مناقشة حول هذا post