مقاربة أميركية تركز على الاستقرار الاقتصادي لا حل جذور الأزمة
تتواصل التحركات الأميركية في الملف الليبي بوتيرة متصاعدة، في إطار مساعٍ لدفع مسار تسوية يركز أساسا على الملفات الاقتصادية والمؤسساتية، بينما لا تزال البلاد تواجه انقسامات سياسية وأمنية معقدة، بالتزامن مع استمرار الجدل بشأن مستقبل الترتيبات الدولية المطروحة لإعادة تشكيل السلطة في ليبيا.
ورأى تقرير نشره المجلس الأطلسي أن المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس لا تستهدف معالجة جذور الأزمة الليبية بقدر ما تسعى إلى خلق حد أدنى من الاستقرار يسمح بإعادة فتح ليبيا أمام الشركات والاستثمارات الأجنبية، خاصة في قطاعي الطاقة والبنية التحتية.
دور بولس وتحركات إدارة ترامب في ليبيا
وأشار التقرير إلى أن الاهتمام الأميركي المتزايد بليبيا خلال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يستند إلى استراتيجية مؤسساتية متكاملة، بل يرتبط بدرجة كبيرة بتحركات بولس الشخصية، بعد تراجع حضوره في ملفات إقليمية أخرى مثل السودان، وسعيه لتحقيق اختراق دبلوماسي جديد في الساحة الليبية.
اجتماعات تونس ومحاولات توحيد الإنفاق والمؤسسات
وتزامنت هذه التحركات مع اجتماعات سياسية واقتصادية شهدتها تونس خلال الأيام الماضية، برعاية أميركية وبمشاركة مسؤولين من المؤسسات الاقتصادية والرقابية الليبية، لبحث تنفيذ اتفاق توحيد الإنفاق وآليات إدارة الإيرادات النفطية والمحروقات، ضمن مساعٍ لتقليص الانقسام المالي بين شرق البلاد وغربها.
وأوضح التقرير أن المقاربة الأميركية الحالية تقوم على أربعة محاور رئيسية، تشمل اعتماد موازنة موحدة، وتوحيد المؤسسات العسكرية، وتشكيل حكومة موحدة، ثم تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال ستة أشهر من الاتفاق على السلطة التنفيذية الجديدة.
واعتبر التقرير أن اعتماد أول موازنة موحدة منذ أكثر من عشر سنوات يمثل أبرز نتائج هذا المسار حتى الآن، بالنظر إلى ما يُنتظر أن يحققه من تقليص للإنفاق الموازي والحد من الفساد، إلى جانب توفير موارد إضافية للمؤسسة الوطنية للنفط بهدف رفع معدلات الإنتاج.
تحولات إقليمية ودولية تدفع نحو تسوية جديدة
كما أشار التقرير إلى أن التحولات الإقليمية والدولية ساهمت في تعزيز هذا المسار، موضحا أن تركيا بدأت توسيع قنوات التواصل مع شرق ليبيا، مدفوعة بحسابات اقتصادية ورغبتها في تثبيت اتفاقياتها البحرية ومصالح شركاتها داخل البلاد.
وأضاف أن مصر بدورها شرعت في مراجعة مقاربتها للملف الليبي في ظل اعتبارات اقتصادية وأمنية مرتبطة بالسودان والطاقة والعمالة المصرية، بينما أصبحت فرنسا وإيطاليا أكثر تقاربا بشأن ضرورة تحقيق قدر من الاستقرار في ليبيا، خاصة على خلفية ملفي الهجرة وأمن الطاقة.
هشاشة بيئة الأعمال ومخاوف من إعادة إنتاج الأزمة
وفي المقابل، شدد التقرير على أن بيئة الأعمال في ليبيا لا تزال شديدة الهشاشة بسبب الفساد وصعوبات التحويلات المالية وغياب الضمانات القانونية، إضافة إلى استمرار حالة الانقسام السياسي والأمني، ما يجعل تحقيق استقرار اقتصادي فعلي أمرا بالغ التعقيد.
وحذر التقرير من أن جوهر المبادرة الأميركية يقوم على تثبيت توازنات القوى الحالية بين معسكري خليفة حفتر وعبد الحميد الدبيبة، عبر ترتيبات سياسية ومؤسساتية قد تؤدي، بحسب التقرير، إلى إعادة إنتاج الانقسام بدل إنهائه.
رفض داخل غرب ليبيا لتسويات تقاسم النفوذ
وأشار التقرير إلى وجود رفض متزايد داخل بعض مناطق غرب ليبيا، خاصة في مدينة مصراتة، لفكرة تقاسم السلطة مع معسكر حفتر أو فرض تسويات سياسية برعاية خارجية، وسط مخاوف من أن تتحول أي تسوية جديدة إلى مجرد إعادة توزيع للنفوذ بين القوى المسيطرة.





مناقشة حول هذا post