تصاعدت حدة الخلاف السياسي في ليبيا مجدداً بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ما وضع مستقبل الخريطة الأممية المعلنة في 23 أغسطس الماضي أمام تحدٍّ حقيقي يفاقم حالة الانسداد السياسي.
ورغم أن هذا التصعيد يأتي امتداداً لتراكمات سياسية وقانونية سابقة، إلا أنه تمحور هذه المرة حول تفسير إعادة تشكيل المفوضية وحدودها، والجهة التي تملك صلاحية الشروع فيها.
والاثنين الماضي، عقد مجلس الدولة جلسة انتخب خلالها رئيساً جديداً للمفوضية خلفاً لرئيسها السابق عماد السائح، الذي قاد المفوضية منذ عام 2012، مستنداً في ذلك إلى اتفاق بوزنيقة، المنبثق عن حوارات عامي 2020 و2021 برعاية أممية، والذي أقر مبدأ المحاصصة في شغل المناصب السيادية بين أقاليم ليبيا الثلاثة: الغرب والشرق والجنوب، وأدرج منصب رئاسة المفوضية ضمن حصة الغرب.
أمميا، أكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أنها ستواصل العمل مع مجلس المفوضية الحالي للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، من أجل المضي قدماً في إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية على أساس إطار انتخابي سليم وقابل للتنفيذ.
وأعربت البعثة الأممية عن قلقها البالغ إزاء تصاعد حدة الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، باعتبارها خطوة تأسيسية في خارطة الطريق السياسية، وذلك في ظل استمرار العجز عن التوصل إلى اتفاق منذ إطلاق الخارطة في أغسطس 2025.
وقالت البعثة الأممية إن المجلسين بدلا من أن يتوافقا حول قضية عالقة منذ أكثر من عقد، انخرطا في دوامة من التصعيد المتبادل، بما ينذر بفتح فصل جديد من الانقسام المؤسسي، محمّلةً إياهما مسؤولية أي انقسام قد يؤثر مستقبلاً على عمل المفوضية، ومجددة دعوتها إلى وقف جميع الإجراءات الأحادية.
وشددت البعثة الأممية على أن المفوضية العليا للانتخابات ظلت حتى الآن واحدة من المؤسسات الوطنية القليلة التي حافظت على وحدتها، وأثبتت كفاءتها الفنية وقدرتها على إدارة الاستحقاقات الانتخابية، داعيةً إياها إلى الالتزام بالحياد الكامل صوناً لنزاهتها.
وأكدت البعثة الأممية على استعدادها لدعم مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة للتوصل إلى حل توافقي ينهي هذا الخلاف.
واعتبر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، في تصريحات صحفية، ليل الأحد، أن تغيير رئيس المفوضية عماد السائح “لا مبرر له”، لافتا إلى أن رئيس وأعضاء مجلس المفوضية اكتسبوا “خبرة كافية” في تنظيم الانتخابات، ومستشهدًا بنجاح المفوضية في تنظيم الانتخابات البلدية خلال العام الماضي.
وأفاد عقيلة بأن اتفاق بوزنيقة “تم تعطيله رغم التنازلات” التي قدمها مجلس النواب، لافتا إلى أن المجلس سمح بأن يكون محافظ المصرف المركزي من غرب البلاد خلال أزمة المصرف في أغسطس 2024، رغم أن المنصب كان من حصة شرق ليبيا “من أجل مصلحة البلاد”، على حد تعبيره.
وتقع المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في صلب الخريطة الأممية، إذ نصت مرحلتها الأولى على مسارين متلازمين: تعديل الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، و”إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية لملء المناصب الشاغرة”.
وكان المجلسان قد وقعا، في الرابع من أكتوبر الماضي، اتفاقاً للشروع في تسمية شاغلي المناصب السيادية، مع إعطاء أولوية للمفوضية، ونصّ على تغيير” مجلس إدارتها، ووضع آلية توافقية لاختيار رئيسها وأعضائها، استناداً إلى اتفاق بوزنيقة، غير أن الاتفاق بقي دون تنفيذ.
ويمثل الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات عام 2015 المرجعية العليا للعملية السياسية، إذ أقر مبدأ الشراكة والتوافق بين مجلسي النواب والدولة في شغل المناصب السيادية، غير أن تعثر توافقهما دفع لاحقاً إلى رعاية حوارات بوزنيقة عامي 2020 و2021، التي انتهت إلى الاتفاق على محاصصة المناصب بين أقاليم البلاد الثلاثة، دون أن تنجح في إنهاء الخلافات حول آليات التطبيق.
وفي قراءة للمستجدات، يرى الخبير القانوني بلقاسم القمودي أن خلاف المجلسين حول المفوضية يتخذ “شكلاً قانونياً، لكنه يؤدي وظيفة سياسية واضحة”، موضحاً في حديث مع “العربي الجديد”، أن السجال حول “تغيير” مجلس المفوضية أو “استكماله” يعكس “صراعاً على إنتاج شرعية مسبقة للعملية الانتخابية”.
وأضاف أن “المسألة تتصل بمن يملك لحظة التأسيس للعملية الانتخابية المقبلة، لأن من يملك هذه اللحظة يملك لاحقاً جزءاً من شرعية النتائج”.
ووفق القمودي، يميل مجلس النواب إلى منطق الاستمرارية المؤسسية للمفوضية “لتقليل كلفة القطيعة السياسية، بينما يسعى مجلس الدولة إلى إعادة التشكيل الشامل كوسيلة لتحصين المسار الانتخابي سياسياً قبل الانطلاق فيه”، ويرى أن كلا المجلسين يوظف فراغات قانونية تراكمت عبر سنوات التعطيل، ما حوّل المفوضية من جهة تنظيم فني، إلى مركز خلاف يخدم الطرفين في سياق العرقلة المستمرة لإجراء الانتخابات، محذراً من أن أي انتخابات تُجرى في ظل هذا النزاع، ستكون نتائجها “عرضة للطعن القانوني”.
وينتقد القمودي إدراج البعثة الأممية إعادة تشكيل مجلس المفوضية في المرحلة الأولى من الخريطة السياسية، قبل معالجة جوهر الخلاف، وهو القوانين الانتخابية، مذكراً بأن عقدة فشل انتخابات ديسمبر 2021 “لم تكن في المفوضية كمؤسسة فنية، بل في القوانين المتنازع عليها، فكان من الأجدى أن تتقدم مسألة التوافق على القوانين الانتخابية لحسم خلافاتها، قبل مجلس المفوضية”.
من جانبه، يرى الأكاديمي حسن عبد المولى أن تطورات الخلاف تمثل “لحظة قد تهدد تماسك” الخريطة الأممية، موضحاً أن الخطر لا يكمن في التصريحات، بل في انتقال المجلسين إلى “رسم مسارات متوازية يدعي كل منها المشروعية”، ما يضع البعثة، برأيه، أمام واقع يصعب عليها تجاهله، و”يهدد بتآكل الخريطة مع تصاعد التأزيم”.
ويعتبر عبد المولى، في حديث مع “العربي الجديد”، أن تلويح البعثة بـ”آلية بديلة” يعكس استعدادها للجوء إلى “الحوار المهيكل”، الذي أطلقته منتصف الشهر الماضي، لإنقاذ خريطة الطريق، لكنه يحذر من أن هذا الخيار “قد يحمل كلفة سياسية عالية، إذ قد يفسَر من قبل المجلسين، وحلفائهما، كالتفاف على العملية السياسية”، قبل أن يخلص إلى أن الخريطة الأممية “من الصعب أن تنهار، لكنها تواجه عراقيل في إدارتها سياسياً، وباعتقادي أنها ستتجه إلى تحسينات في الخريطة، بأن تستوعب مجلسي النواب والدولة في الحوار المهيكل بأي صيغة، بدل إقصائهما وتحويلهما إلى عائق”.





مناقشة حول هذا post