في لحظة سياسية توصف بالحساسة، تعود المسارات الأممية في ليبيا إلى الواجهة مجدداً، عبر محاولة إعادة تحريك العملية السياسية التي ظلت عالقة لأشهر طويلة بسبب تعثر التشريعات الانتخابية واستمرار الانقسام المؤسسي. وبينما تتراكم المبادرات دون نتائج حاسمة، تسعى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى اختبار صيغة جديدة للحوار تقوم على تقليص عدد الأطراف وتكثيف النقاش حول نقاط محددة، في محاولة لتجاوز حالة «الشلل السياسي» التي باتت السمة الأبرز للمشهد الليبي في المرحلة الراهنة.
وعُقد الاجتماع الأول للاجتماع المصغر المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق الأممية، تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وباستضافة من جمهورية إيطاليا.
وشهدت المناقشات أجواءً بناءة وجدية، حيث أكد المشاركون ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين، الذين بلغ عدد المسجلين منهم في السجلات الانتخابية 2.8 مليون ناخب، لاختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع، كما شددوا على أهمية إنهاء حالة الانسداد السياسي التي أعاقت تقدم المسار الانتخابي.
وفي هذا السياق، توصل المجتمعون إلى اتفاق يقضي بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. ولمعالجة الخلاف بشأن رئاسة المجلس، أوصى الاجتماع بأن يتولى النائب العام ترشيح أحد رجال القضاء المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والحياد، على أن يتم تعيينه وفق القواعد المعمول بها.
واستنادًا إلى مخرجات جلستي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة المنعقدتين في 29 ديسمبر 2025 و12 يناير 2026، تم الاتفاق على تسمية كل من علي الطايع عبد الجواد، وهيثم علي الطبولي، وعلي أبو صلاح عن مجلس النواب، وسناء الليشاني، وبديوي محمد بديوي، وعلي مفتاح المبروك عن المجلس الأعلى للدولة، أعضاءً في مجلس المفوضية الجديد.
كما باشر المشاركون مناقشة القضايا المرتبطة بالإطار الانتخابي، واتفقوا على مواصلة مشاوراتهم برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بهدف التوصل إلى قوانين انتخابية توافقية وقابلة للتنفيذ تستجيب لتطلعات الليبيين في إجراء انتخابات وطنية.
وكانت المبعوثة الأممية هانا تيتيه قد أعلنت، خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن، بدء التواصل مع «مجموعة مصغّرة» من الفاعلين السياسيين، موضحة أن هذه الخطوة تستهدف تمهيد الطريق أمام المؤسسات الليبية لتنفيذ المرحلتين الأوليين من خريطة الطريق، والمتعلقتين بالإطار الانتخابي وإعادة تفعيل المفوضية العليا للانتخابات.
وأقرت تيتيه بوجود تحفظات محلية على هذا المسار، لكنها شددت على أنه يمثل محاولة عملية لتجاوز التعثر القائم. كما أكدت أن اللجنة المصغّرة ليست بديلاً عن «الحوار المهيكل»، بل آلية تكميلية لمعالجة عوائق محددة، وعلى رأسها القوانين الانتخابية وآلية تشكيل مجلس المفوضية.
وأضافت أن الحوار المهيكل سيظل المسار الأوسع، كونه يضم طيفاً أكبر من الفاعلين ويهدف إلى صياغة رؤية وطنية شاملة للإصلاحات السياسية والتشريعية. وأوضحت أن مجلسي النواب والدولة لم ينجحا، بعد مرور نحو ثمانية أشهر على إطلاق خريطة الطريق، في تحقيق تقدم ملموس في المرحلتين الأوليين، رغم تكليفهما بذلك، وهو ما دفع البعثة إلى البحث عن مسار بديل قادر على كسر الجمود وإعادة إطلاق العملية السياسية من نقطة عملية.





مناقشة حول هذا post